صرح وزير الداخلية السيد لطفي بن جدو، أثناء الجلسة العامة للمجلس التأسيسي يوم الإثنين الموافق ل 26 مارس 2012, بأن الوزارة بصدد إعداد مشروع قانون لحماية قوات الأمن الداخلي أثناء مباشرة مهامهم .

وينص هذا القانون على عقوبة بالسجن من 3 إلى 10 سنوات سجن وغرامة من 300 إلى 10000 ديناراً لأي شكل من أشكال العدوان أو التهديد بالعنف ضد أعوان الأمن.

  بادئاً ذي بدء، لا بد من التنويه أنه خلافاً لآراء العديد من المواطنين التونسيين المعارضين لهذا المشروع خاصةً على صفحات التواصل الإجتماعي، لا بد من النظر إلى هذا المشروع من زاوية المتأمل الناقد بكل موضوعية وبعيداً عن جميع أنواع الإنحياز.

نظراً لتصاعد العنف ضد أعوان الأمن و تكرر التهديدات ضدهم، أشار السيد الصحبي الجويني، عضو الإتحاد الوطني لنقابات قوات الأمن التونسي و المكلف بالشؤون القانونية، إلى ضرورة النظر في  مشروع قانون متعلق بتجريم الإعتداء على أعوان الأمن، قريباً.

من ناحية المبدأ ، تبدو الغاية من مشروع القانون هذا مشروعة من جهة تكريسها لحماية أعوان الأمن من جميع أنواع الإنتهاكات المسلطة عليهم لدى تأدية مهامهم القائمة على حماية المواطن و الذود عن حرمة الوطن خاصة في فترة ما بعد الثورة.

أما من ناحية التطبيق ، فإن مشروع القانون هذا يبدو إختياراً غير صائب من حيث التوقيت و من حيثالتبعات و من حيث طبيعة القانون.

- 1  من حيث التوقيت:

إن قانون حماية أعوان الأمن يبدو خطيراً خاصةً في الوضع الحساس الذي تشهده البلاد من ناحية عدم الإستقرار سياسياً وإقتصادياً وإجتماعياً.

نظراً لأن فترة ما بعد الثورة تهدف لزاماً إلى القطع مع النظام الدكتاتوري السابق المتميز أساساً بهيمنة القمع الأمني، فإنه لمن المؤكد أن أي تطبيق خاطئ أو أي تجاوز   في فترة الإنتقال الديمقراطي، بصفتها فترة حساسة و حرجة، من شأنه أن يعطل مسار القطع مع “دولة البوليس “. وربما يتجاوز هذا المشروع مجرد تعطيل القطع مع الممارسات السابقة إلى إحداث خلل في الإرتقاء بالمنظومة الأمنية ككل.

إن هذه الفترة تهدف أساساً إلى إرساء مصالحة بين كل من المواطن التونسي و المنظومة الأمنية التي وقع استغلالها وتسييرها وفق أجندة سياسية سابقة قائمة على القمع والإستبداد وإنتهاك القوانين.

تبعاً لذلك ، إن تكريس قانون “حماية” أعوان الأمن في هذه الفترة بالذات من شأنه أن يعيق المصالحة المنشودة بين المواطن و أعوان الأمن.

- 2  من حيث التبعات:

إن قانون حماية أعوان الأمن ألقائم على الردع والعقوبات القاسية في حق المواطنين يساهم بشكلٍ واضح في زيادة توتر العلاقة بين المواطنين و أعوان الأمن مما يعمق الهوة بين المواطن ورجل الأمن.

و نظراً لأن علاقة عون الأمن بالمواطن تحتاج إلى نوعٍ من “الإنعاش” فإن قانون حماية أعوان الأمن يمكن أن يغذي مشاعر الكراهية والخوف لدى المواطنين مما يؤدي بدوره إلى خلق أزمة ثقة بين المواطن و عون الأمن مع إمكانية تطور الأمر إلى إحداث خلل و ربما إنعدام تدريجي للتواصل.

بإعتبار الوظيفة الحساسة التي يشغلها أعوان الأمن، فإن سوء تطبيق هذا القانون أو التعسف في إستعماله من شأنه أن يفتح باباً أمام التجاوزات و بالتالي إستعمال هذا القانون كمطية لقمع المواطنين.

و بذلك يمكن أن يساهم سوء تطبيق هذا القانون في تكريس قمع المواطنين ، قمع يتمتع بصبغة قانونية أو هو “قمع أمني مقنن ”  إن صح التعبير.

لا بد من التنويه في هذا الإطار إلى أن إصلاح المنظومة الأمنية لا بد أن يكون تشريعياً قبل كل شيء و لكن هذا الإصلاح لا بد أن يكون في اطاره و في زمانه المناسبين و لا بدا أن يكون أيضاً قائماً على تصنيف منظم للأولويات حيث أنه من الجدير التركيز في هذه المرحلة على إصلاح العلاقة بين المواطن و عون الأمن و ردم الهوة الفاصلة بينهما لا توتير العلاقة بينهما و التناحر فيما بينهما.

- 3  من حيث طبيعة القانون:

* من الناحيتين التطبيقية  و التقنية:

ما يمكن أن يبرر ضعف هذا القانون من الناحيتين التطبيقية  و التقنية هو إفتقار هذا القانون إلى اليات الرقابة البرلمانية أو المدنية ممايرجح كفة الحقوق الممنوحة لأعوان الأمن على حساب واجباتهم. إن الرقابة على هذا القانون وسيلة من وسائل تحقيق التوازن بين حقوق أعوان الأمن و واجباتهم و ضمانة حقيقية لتطبيق القانون و عدم تجاوزه أو التعسف في إستعماله.

* من ناحية المحتوى:

من ناحية المضمون، لا يحتوي  هذا القانون على  أي إضافة فيما يخص حماية أعوان الأمن كما أنه لا يمثل سابقة قانونية في تونس خاصةً أن المجلة الجزائية تزخر بفصول تحمي عون الأمن من الاعتداءات بإعتباره موظف عمومي. و تدعيماً لذلك، تكفي الإشارة إلى أن المشرع التونسي خاصة قسماً كاملاً في المجلة الجزائية لحماية الموظف العمومي، و بالتالي عون الأمن، من جميع أنواع الاعتداءات. فقد جاء القسم الثاني ” ﻓﻲ ﻫﻀﻡ جانب  ﺍﻟﻤﻭﻅﻔﻴﻥ ﺍﻟﻌﻤﻭﻤﻴﻴﻥ ﻭﺃﺸﺒﺎﻫﻬﻡ ﻭﻤﻘﺎﻭﻤﺘﻬﻡ ﺒﺎﻟﻌﻨﻑ” من الباب الرابع “ﻓﻲ ﺍﻻﻋﺘﺩﺍﺀ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺴﻠﻁﺔ ﺍﻟﻌﺎﻤﺔ ﺍﻟﻭﺍﻗﻌﺔ ﻤﻥ ﺃﻓﺭﺍﺩ ﺍﻟﻨﺎﺱ” من المجلة الجزائية مجرماً للإعتداء على الموظفين العموميين، أي أعوان الأمن. و ذلك ما نلحظه من خلال بعض الفصول كالفصل 127 من المجلة الجزائية الذي ينص صراحةً على الآتي: ” ﻴﻌﺎﻗﺏ ﺒﺎﻟﺴﺠﻥ ﻤﺩﺓ ﻋﺎﻡ ﻭﺒﺨﻁﻴﺔ ﻗﺩﺭﻫﺎ ﻤﺎﺌﺔ ﻭﻋﺸﺭﻭﻥ ﺩﻴﻨﺎﺭﺍ ﻜل ﻤﻥ ﻴـﻬﻀﻡ ﺠﺎﻨﺏ ﻤﻭﻅﻑ ﻋﻤﻭﻤﻲ ﺃﻭ ﺸﺒﻬﻪ ﺒﺎﻟﻘﻭل ﺃﻭ ﺍﻹﺸﺎﺭﺓ ﺃﻭ ﺍﻟﺘﻬﺩﻴﺩ ﺤﺎل ﻤﺒﺎﺸﺭﺘﻪ ﻟﻭﻅﻴﻔﺘﻪ ﺃﻭ ﺒﻤﻨﺎﺴﺒﺔ ﻤﺒﺎﺸﺭﺘﻬﺎ”.

و طبقاً للفصل 127 من المجلة الجزائية، كل معتد على موظف عمومي بالضرب الخفيف يعاقب بالسجن لمدة عام و بخطية قدرها 72 ديناراً. أما تعمد إحداث جروح أو ضرب أو غير ذلك من أنواع العنف فعقابه السجن 5 سنوات و خطية قدرها 240 ديناراً . أما في صورة إرتكاب العنف أو التسبب في جروح أو مرض مع سابقية القصد فإن العقاب يرتفع إلى السجن لمدة 10 سنوات و خطية قدرها 480 ديناراً .

*من ناحية صبغة القانون:

تجدر الإشارة إلى أن الغاية الأساسية من القانون، بصفة عامة، هي الإصلاح و تحقيق العدالة و ليست الزجرو الردع . فالقانون إصلاحٌ في مبدئه و ليس إنتقاماً أو تشفياً.

خلافاً لما سبق ذكره، فإن تنصيص قانون حماية أعوان الأمن على عقوبة السجن ( من 3 إلى 10 سنوات) و غرامة مالية ( من 300 إلى 10000 ديناراً ) يبين الطبيعة الزجرية لهذا القانون ألقائم على الردع و العقوبات الشديدة.

في هذا الصدد، أكد أستاذ القانون الدستوري قيس سعيد أن حماية أعوان الأمن لا تكون أبداً بإعتماد الزجر و العقوبات الشديدة. و في تعليقه على مشروع القانون المتعلق بحماية قوات الأمن الداخلي، إعتبر الأستاذ قيس سعيد أن هذا المشروع ليس في محله من الناحية السياسية في حين أنه قابل للنقاش و المراجعة و إعادة النظر فيه قانونياً خاصةً و أنه مازال مشروعاً أي مجال دراسة. كما نوه الأستاذ قيس سعيد إلى ضرورة تمكين أعوان الأمن من تشريع خاص بهم فضلاً عن الحماية و التغطية الإجتماعية على غرار جميع الموظفين و الأعوان العموميين الذين يتمتعون بحماية كرستها مجموعة من القوانين التونسية. لكن هذه الحماية التشريعية لا يجب أن تكون بالزجر أو الردع.

و إقترح الأستاذ قيس سعيد في هذا الإطار مقاربة قانونية أخرى بديلة عن مشروع القانون، موضوع النقاش، وذلك لحماية أعوان الأمن. و تنبني هذه المقاربة بالأساس على تصور تنظيم إداري مختلف ينطلق من المحلي و ذلك عن طريق تمكين المتساكنين  في المعتمديات من المساهمة في إختيار أعوان الأمن الذين سيقومون بالإشراف على تصريف الشؤون في الجهات و هو ما حصل تماماً بعد الثورة في معتمدية منزل بوزيان من ولاية سيدي بوزيد و معتمدية تالة من ولاية القصرين.

إن هذا التصور البديل من شأنه أن يعيد الثقة بين المواطن و عون الأمن لا أن يؤزم العلاقة بينهما.

إن أي تصور يقطع مع النظام السابق مع عدم إقرار سياسة الزجر و القمع هو الحل الأمثل في الوقت الحالي   وذلك لحماية عون الأمن و المواطن على حد السواء و تفادي التصادم بين الشعب من جهة و المنظومة الأمنية من جهة أخرى.