كم تمنيت أن يكون ما تعيشه تونس، “إفريقية”، من أعمال إرهابية على مستوى جبل الشعانبي من ولاية القصرين، تلك المدينة الصامدة والقلب النابض للانتفاضة الشعبية التونسية، مجرد كابوس من صنع خيالي الواسع .. كم تمنيت أن تكون الفاجعة مجرد فيلم أميركي سيء السيناريو والإخراج .. لكن للأسف، رؤية دماء حماة الوطن تسقي أرض الحلفاء .. أرض “سيليوم الرومانية”وأشلاء أسود الأطلس مزروعة في أرض بن غذاهم، أدخلت فيا الشك والريبة لبضع لحظات .. وصرت أتساءل إن كان هذا حقيقةً موطني ؟! وإن كان هؤلاء المتحصنين بالجبل شركائي في الوطن ؟!

ما آلمني أن الذين راحوا ضحية هذا العمل الإجرامي والإرهابي كانوا من أكثر الذين تعرضوا، طيلة السنتين الأخيرتين، إلى أقسى حملة تشويه وتشكيك في مواطنتهم وطنيتهم .. إنهم إخوتناوأبناؤنا وجيراننا .. إنهم أعوان الأمن الداخلي (من حرس وشرطة). لقد كانوا ولا يزالوا يدفعون الثمن باهظا رغم كل المصاعب، ولعل من أصعبها وأكثرها تأثيراً ليس النقص اللوجستي أو التقني أو المادي (رغم أهميتهم)، بل غياب القرار السياسي – لكي لا أقول التجاهل المتعمد من طرف بعض المسؤولين – خاصةً عدم أتذكر استماتة إتحاد نقابات الأمن الداخلي، منذ أكثر من ثمانية أشهر، في القيام بواجبها بإعلام السلطة المعنية ببداية تكوين خلايا ومراكز تدريب إرهابية ففوجئت بتجاهل واستنقاص من خطورتها من طرف رأس الوزارة حينها ! وعوض أن يوفر لهم وزير الداخلية السابق الغطاء القانوني والسياسي للتصدي لهم منذ بداية تشكيل هياكلهم التنظيمية الإرهابية، قامت السلطة حينها بالدخول في “معركة وهمية مع إتحاد نقابات الأمن” وسعت إلى تقزيمهم، لكي لا أقول تخوينهم !

كل هذا جعلني أعيش حيرةً مؤرقة وأطرح على نفسي عدة أسئلة :

لماذا لا تُزوَّد الوحدات المتواجدة في المناطق الحدودية المعرضة للتسرب الإرهابي بأبسط التجهيزات اللازمة، ليس فقط للتصدي لمثل هته الأعمال الإرهابية، ولكن أيضاً لتوفير الحماية لأعوان الحرس الوطني ؟ ولماذا يتم توزيع الآليات التي وهبتها “دولة قطر” على الوحدات الأمنية بالعاصمة لتفريق المظاهرات ولا يتم إرسالها إلى الوحدات التي هي حقاً في امسِّ الحاجة إليها لحماية تراب الوطن ؟ فهل يُفهم من هذا أن السلطة تخاف على كرسيها أكثر من أرض الجمهورية التونسية وسلامة مواطنيها وأرواح حراس الوطن ؟

ثم، لماذا تعطل وصول التعزيزات الأمنية لأكثر من ساعتين من وقوع الفاجعة ؟ ولماذا تأخر القرار السياسي رغم أن نوعية الحادث لا تتطلب أي تعليمات ؟ فهل يُفهم من هذا أن السلطة الحالية قد رجحت كفة الإرهاب والتطرف على حساب أمن البلاد والمواطنين، من مدنين وأمنيين، لأغراض سياسوية ضيقة وحسابات انتخابية بحتة ؟

ومن جهة أخرى، لماذا وإلى حد هذه الساعة لا يوجد إقليم حرس وطني بمنطقة ذات أولوية أمنية مثل القصرين ؟ ولماذا إلى حد هذا اليوم مازال عون الأمن يُعرِّض حياته للخطر مقابل منحة بعشرين ديناراً ؟ في حين أن نواب الشعب يطالبون بالزيادة في أجورهم !  دون أن ننسى مصاريف رئاسة الدولة وبعض الوزراء التي تعدت الحد المعقول. ألا يساعد ما زاد من مصاريف في تمكين حرس حدودنا وجنود الوطن من الإمكانيات اللوجستية اللازمة لتفادي مذ هذه الكارثة ؟ والتي من الممكن أن تتكرر في القريب العاجل !

والسؤال الأهم والخطر : أين هو المجلس التأسيسي، السلطة العليا الأصلية الوحيدة، من كل هذا ؟ فهل يُفهم من هذا أنه غلب أمنه على حساب أمن البلاد ؟ وماذا ينتظر للبعث برسائل إيجابية (تشريعية أو تنفيذية) للأمنيين والمدنيين على حد سواء فيما يخص مشكلة تفشي الإرهاب في تونس ؟

وإن لم تستخلص السلطة والمعارضة الدروس والعبرمن هته الحادثة، وإن لم يعمل الجميع على إعادة الثقة في صفوف الأمنيين ومساندتهم نفسياً لتحفيزهم على المزيد من العمل والتفاني في إطار القانون،وإن واصلت السلطة في محاولاتها لإخفاء الحقيقة المفزعة عن المواطنين عن طريق تصريحات لمسؤولين بالدولة التونسية تهدف إلى تبرير ما يحصل “وترمي بالكرة” إلى الإعلام والصحافة متهمة إياهما بالتهويل (في حين أن أكثر من عشر أمنيين متواجدين بالمستشفى بين الحياة والموت)، فلن يبقى لي أن أقول غير “مرحباً بكم في غابة تحكمها الغريزة والقوة” !

لذا فإني أرى أنه على المجتمع المدني أن يتحمل مسؤوليته التاريخية للمساهمة في إنقاذ الدولة التونسية وحماية ترابها، في ضل غياب الإرادة السياسية للسلطة الحالية وتذبذب قراراتها في تفعيل العدالة الانتقالية وإصلاح المنظومة الأمنية، وذلك بأن تعمل جميع مكوناته على تطوير الجهاز الأمني وأن تدفع السلطة إلى إصلاحه تشريعاً وهيكلياً وتكوينياً والإحاطة النفسية بأعوانه بغية أن نصل يوماً إلى إرساء أمن ديمقراطي محايد يحمي الوطن والمواطنين، وليس السلطة وممثليها، بإنفاذ القوانين دون أي تجاوز وباحترام كامل لحقوق الإنسان. وهذا لُبّ ما تسعى إليه جمعية إصلاح من خلال برامجها التي تعمل على توفير الأرضية والمساعدة القانونية والتكوين في حقوق الإنسان إلى أعوان الأمن والمواطنين على حد سواء، دون أن ننسى عملها على توفير الدراسات والبحوث والإحصائيات اللازمة لوضع استراتيجيات واضحة وموجّهة لاستعادة الثقة في الأمن التونسي بصفته صمام الأمانلإنجاح الانتقال الديمقراطي وعدم عودة الاستبداد بأي شكل من الأشكال.